التوقيع الإلكتروني في العراق: حجية الإثبات ومتطلبات الثقة الرقمية في ضوء قانون المعاملات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني رقم 78 لسنة 2012
yaser alzubadid
76 0١٨/٨/٢٠٢٦
مقدمة
لم تعد العقود تُبرم دائماً في المكاتب أو على أوراق تحمل توقيعات خطية. فالمعاملات التجارية والخدمية، وعقود العمل، وأوامر الشراء، والموافقات الإدارية، بل والاستشارات القانونية، باتت تُنجز عبر المنصات والتطبيقات والبريد الإلكتروني. وفي هذه البيئة، يبرز سؤال قانوني جوهري: متى يمكن اعتبار الضغط على زر، أو إدخال رمز تحقق، أو استخدام شهادة رقمية، توقيعاً ملزماً لصاحبه؟
إن الإجابة لا تتعلق بالشكل التقني وحده، بل بوظيفة التوقيع القانونية. فالتوقيع، في جوهره، يؤدي ثلاث وظائف متلازمة: تحديد هوية صاحبه، والتعبير عن رضاه بالتصرف، وربط هذا الرضا بالمحرر الذي وقّعه. فإذا تحققت هذه الوظائف بوسيلة إلكترونية موثوقة، أمكن أن يؤدي التوقيع الإلكتروني دور التوقيع التقليدي، وأن يكون أداة إثبات معتبرة عند النزاع.
وقد وضع العراق إطاراً تشريعياً لهذا المجال بإصدار قانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية رقم 78 لسنة 2012، المنشور في الوقائع العراقية سنة 2012. ويهدف القانون إلى تنظيم التعامل الإلكتروني وتعزيز الثقة في صحة المعاملات وسلامتها.
وتتمثل إشكالية المقال في بيان مدى كفاية التنظيم العراقي لإضفاء الحجية على التوقيع الإلكتروني، وما الضمانات التي ينبغي توافرها حتى لا يتحول التوقيع الإلكتروني إلى وسيلة شكلية سهلة الإنكار أو التزوير.
أولاً: مفهوم التوقيع الإلكتروني وتمييزه عن التوقيع الرقمي
يمكن تعريف التوقيع الإلكتروني بأنه علامة أو إجراء إلكتروني يُستخدم للتعريف بشخص الموقّع، ولإثبات موافقته على مضمون محرر إلكتروني. وقد يكون في صورة حروف أو أرقام أو رموز أو أصوات أو بيانات رقمية، متى كانت لها صلة مميزة بصاحبها وتؤدي وظيفة التوقيع.
ولا ينبغي الخلط بين ثلاثة مفاهيم متقاربة:
1. صورة التوقيع اليدوي: وهي صورة ممسوحة ضوئياً لتوقيع شخص تُدرج في ملف أو رسالة. وهذه الصورة وحدها لا تحقق بالضرورة درجة كافية من الأمان؛ إذ يمكن نسخها أو إعادة استعمالها دون معرفة صاحبها.
2. التوقيع الإلكتروني البسيط: كأن يضغط الشخص على زر «أوافق»، أو يكتب اسمه في نموذج إلكتروني، أو يؤكد التعاقد من خلال رمز يرسل إلى هاتفه أو بريده الإلكتروني. وقد يصلح دليلاً على الرضا بحسب ظروف الحالة، لكنه يظل أضعف من حيث القدرة على إثبات الهوية ومنع الإنكار.
3. التوقيع الرقمي: وهو صورة متقدمة من التوقيع الإلكتروني تعتمد عادة على تقنيات التشفير والشهادات الرقمية. وتتيح التحقق من هوية الموقّع، وكشف أي تغيير يطرأ على المحرر بعد التوقيع، وتوفر درجة أعلى من الثقة في المعاملة.
وعليه، ليس كل ما يوضع إلكترونياً على مستند يُعد توقيعاً بالمعنى القانوني الكامل. فالعبرة ليست بمظهر التوقيع، بل بقدرته على نسبة التصرف إلى صاحبه، وعلى إثبات سلامة الوثيقة المرتبطة به.
ثانياً: الأساس القانوني للتوقيع الإلكتروني في العراق
جاء قانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية العراقي رقم 78 لسنة 2012 استجابة للتحول المتزايد نحو استخدام وسائل الاتصال الحديثة في المعاملات. ويظهر من أهدافه توفير إطار قانوني لاستخدام الوسائل الإلكترونية، ومنح المعاملات والتواقيع الإلكترونية الصفة القانونية، وتعزيز الثقة في صحتها وسلامتها.
ويقوم التنظيم العراقي على فكرة مهمة مؤداها أن الوسيلة الإلكترونية لا تفقد قيمتها القانونية لمجرد أنها ليست ورقية. فالمحرر الإلكتروني والتوقيع الإلكتروني يمكن أن ينتجا آثاراً قانونية متى توافرت الضمانات اللازمة لصحة صدورهما وسلامتهما.
كما يربط القانون بين التوقيع الإلكتروني وجهة التصديق، وهي الجهة التي تؤدي دوراً أساسياً في تأكيد صلة التوقيع بصاحبه. وهذا الربط يكشف أن المشرع لم يكتفِ بفكرة الرضا الإلكتروني المجرد، بل اتجه إلى بناء الثقة من خلال التحقق من الهوية ومن موثوقية آلية التوقيع.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين مرحلتين:
• مرحلة انعقاد العقد: وتتحقق بتلاقي الإيجاب والقبول وصدور الرضا الصحيح من أطرافه.
• مرحلة الإثبات: وتتعلق بإمكان تقديم الدليل أمام القضاء أو الجهة المختصة لإثبات أن الشخص المعني هو من وقّع فعلاً، وأن المحتوى لم يتغير بعد توقيعه.
فقد يكون العقد صحيحاً من حيث المبدأ إذا ثبت التراضي إلكترونياً، لكن الصعوبة تظهر عندما ينكر أحد الأطراف استعمال حسابه أو يدعي أن المستند عُدّل بعد موافقته عليه. وهنا تتقدم أهمية التوقيع الإلكتروني الموثق بوصفه أداة لحسم النزاع.
ثالثاً: متطلبات حجية التوقيع الإلكتروني في الإثبات
لا تتحقق قوة التوقيع الإلكتروني بمجرد وجوده على الشاشة، بل بمجموعة من الضمانات القانونية والتقنية. وأهمها ما يأتي:
1. إمكان نسبة التوقيع إلى صاحبه
يجب أن تتيح وسيلة التوقيع التحقق بدرجة معقولة من أن الشخص الذي أتم الإجراء هو بالفعل من ينسب إليه التوقيع. ويتحقق ذلك بوسائل متعددة، منها الشهادة الرقمية، أو التحقق متعدد العوامل، أو الهوية الرقمية، أو رمز التحقق المرسل إلى وسيلة اتصال مسجلة باسم المستخدم.
ولا يكفي أن يقال إن المعاملة تمت من حساب معين؛ لأن الحساب قد يكون مستعملاً من شخص آخر أو تم اختراقه. ولهذا ينبغي أن تتضمن المنصات سجلات فنية تبين وقت الدخول، ووسيلة التحقق، وعنوان الجهاز أو الشبكة عند الاقتضاء، وتسلسل خطوات القبول.
2. سلامة المحرر الإلكتروني
لا قيمة لتوقيع يثبت هوية صاحبه إذا كان المستند قابلاً للتعديل بعد التوقيع من دون ظهور ذلك التعديل. ولذلك ينبغي أن يضمن نظام التوقيع ارتباطه بنسخة محددة من العقد أو المحرر، وأن يكشف أي تغيير لاحق في البيانات أو البنود.
ففي عقد تقديم خدمات قانونية مثلاً، لا يكفي أن يوقّع العميل على عنوان العقد أو صفحته الأخيرة، بل يجب أن يكون التوقيع مرتبطاً بكامل النسخة النهائية التي تضمنت نطاق الخدمة والأتعاب ومدة التنفيذ والالتزامات المتبادلة.
3. توافر سجل إلكتروني قابل للمراجعة
من عناصر الثقة المهمة وجود ما يمكن تسميته بـ«أثر التدقيق الإلكتروني»، أي سجل يظهر مراحل إنشاء التوقيع وتاريخه ووقته وطريقة التحقق وهوية الجهة المصدرة للشهادة، إن وجدت. وهذا السجل لا يغني عن التوقيع، لكنه يعضد حجيته ويجعل من السهل فحصه عند النزاع.
4. حفظ الوثيقة بطريقة آمنة
حفظ العقد الإلكتروني لا يقل أهمية عن توقيعه. فالوثيقة يجب أن تُحفظ بنسخة قابلة للاسترجاع، مع حماية من التعديل أو الحذف، وإتاحة الوصول إليها للأطراف عند الحاجة. ومن الحكمة أن يحصل كل طرف على نسخة نهائية مؤرخة، وأن تتوافر آلية للتحقق من صحة التوقيع في المستقبل.
رابعاً: التوقيع الإلكتروني في العقود التجارية والخدمات القانونية
تتسع مجالات استعمال التوقيع الإلكتروني لتشمل عقود البيع والتوريد والخدمات، وعقود العمل، واتفاقات السرية، وعقود الاستشارات، والتفويضات الداخلية للشركات، وعقود الترجمة والخدمات الرقمية.
وفي مجال الخدمات القانونية، يمكن أن يحقق التوقيع الإلكتروني فوائد عملية مهمة، منها:
• تسريع التعاقد بين العميل والمحامي أو المكتب القانوني.
• إثبات موافقة العميل على الأتعاب ونطاق المهمة القانونية.
• تنظيم الموافقات على تسلّم المستندات أو مشاركة البيانات.
• توثيق تعديل العقد أو تمديد مدته دون الحاجة إلى تبادل النسخ الورقية.
• تقليل النزاع بشأن تاريخ التعاقد أو مضمونه.
لكن استعماله لا ينبغي أن يكون موحداً في جميع المعاملات. فكلما ازدادت قيمة العقد أو خطورته أو احتمالية المنازعة بشأنه، وجب الانتقال من الوسائل البسيطة إلى وسائل تحقق وتوقيع أكثر موثوقية. فعقد تقديم خدمة محدودة القيمة قد تكفي فيه موافقة إلكترونية موثقة برمز تحقق، بينما تتطلب عقود الشركات والصفقات الكبرى توقيعاً رقمياً مدعوماً بشهادة إلكترونية وسجل تدقيق كامل.
كما ينبغي الانتباه إلى أن بعض التصرفات القانونية قد تتطلب شكليات خاصة أو تدخلاً من جهة رسمية بحسب طبيعتها، ولا يمكن افتراض أن التوقيع الإلكتروني وحده يزيل جميع المتطلبات الشكلية المقررة في قوانين أخرى، ولا سيما في التصرفات التي يفرض القانون لها التسجيل أو التوثيق الرسمي.
خامساً: الإشكالات العملية للنزاع حول التوقيع الإلكتروني
أبرز المنازعات المتوقعة في هذا المجال هي إنكار التوقيع. فقد يدعي شخص أن حسابه استُخدم من الغير، أو أن هاتفه كان بحوزة شخص آخر، أو أن العقد المقدم أمام المحكمة يختلف عن النسخة التي وافق عليها.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكون السؤال: «هل يوجد توقيع إلكتروني؟»، بل: «هل تثبت الأدلة الفنية والقانونية أن هذا الشخص هو من وقّع، وأن المستند المعروض هو ذاته الذي وقّع عليه؟»
ومن هنا، فإن المنصة أو الشركة التي تعتمد التوقيع الإلكتروني ينبغي أن تتبع عدداً من الاحتياطات، منها:
• التحقق من هوية المستخدم قبل تمكينه من التوقيع.
• ربط التوقيع بالمحرر النهائي لا بمسودة قابلة للتعديل.
• إرسال نسخة مؤرخة من العقد إلى جميع الأطراف فور إتمامه.
• الاحتفاظ بسجل التدقيق الإلكتروني.
• تفعيل المصادقة الثنائية للحسابات ذات الصلة بالعقود.
• وضع بند صريح في العقد يبين وسيلة التوقيع المعتمدة وآثارها القانونية.
• تحديد آلية للإبلاغ السريع عن فقدان وسيلة التوقيع أو الاشتباه في استعمالها من الغير.
والأصل أن هذه التدابير لا تمنع النزاع بصورة مطلقة، لكنها تجعل الإنكار أقل قوة، وتوفر للقاضي أو الخبير أساساً موضوعياً لفحص صحة المعاملة.
خاتمة
يمثل التوقيع الإلكتروني ضرورة قانونية واقتصادية في عصر المعاملات الرقمية، وهو ليس بديلاً شكلياً عن التوقيع التقليدي، بل أداة يمكن أن تكون أكثر دقة وأمناً إذا بُنيت على بنية موثوقة للتحقق من الهوية وحماية سلامة المحرر.
وقد وفر قانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية رقم 78 لسنة 2012 أساساً مهماً للاعتراف بالمعاملات الرقمية في العراق. إلا أن الانتقال من النص القانوني إلى التطبيق الفعال يقتضي تطوير خدمات التصديق الإلكتروني، ورفع كفاءة التعامل مع الأدلة الرقمية، واعتماد المؤسسات لسياسات تقنية وقانونية متكاملة.
إن مستقبل التوقيع الإلكتروني لا يتعلق بتقليل استخدام الورق فحسب، بل ببناء ثقة رقمية تجعل التعاقد عن بُعد آمناً، قابلاً للإثبات، ومتاحاً للأفراد والشركات على السواء.
#التوقيع الإلكتروني، الإثبات الإلكتروني، المحرر الإلكتروني، العقود الإلكترونية، التصديق الإلكتروني، الثقة الرقمية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.